أحمد بن سهل البلخي

541

مصالح الأبدان والأنفس

ومنها أن يفكّر فيما لا ينوبه نائبة في هذه الدنيا إلا وقد نابت خلقا كثيرا سواه من الذين تقدّموه ، والذين هم معه في عصره ، ولأنّهم شركاؤه فيها ، والآخذون منها بمثل حظّه ، وأكثر منه ، وأنّه إذا كان ما حزنه أمرا مشتركا للجميع ، فحقّه ألّا يشتدّ أسفه عليه ؛ لأنّ من طباع الإنسان أنّه متى وجد أسوة في أمر من الأمور المكروهة ، قلّ اكتراثه له ، لوجود الشركاء فيه . ومنها أن يفكّر فيما يدفع إليها ، فقد كان ممكنا أن يناب بما هو أجلّ منها وأعظم ما دامت نفسه موجودة ، وأنّه إذا صرف عنه الأجلّ بما هو أيسر منه ، فإنّ الذي مني به قد قام مقام نعمة يلزمه الشكر عليها ؛ إذا وقي به ما هو / أعظم منه ، فتصير الملمّة الصغرى بقياسها إلى العظمى فائدة يجب الابتهاج بها دون التحزّن لها . ومنها أن يفكّر فيما بقي له بعد الذي رزئه « 1 » من النعم التي أولاها نفسه ، ثمّ ما بعدها ، وأنّه قد كان جائزا « 2 » أن يرزأ الباقي كما رزئ الفائت ؛ فإذا تأمّل ما بقي له من فتنة محبوبة ، وأكثر عرضه على نفسه ، [ و ] استعقب بذلك سرورا يسلّيه عن المفقود ، وينفي عنه غمّة الرزيّة ، ويقوم بإزائها ، ويستحيل بذلك الترح فرحا ، والحزن سرورا . ومنها أن يفكّر في أنّ كلّ حزن يحدث برزيّة واقعة ، فإنّ الأيّام لا بدّ من أن تخلفها « 3 » ، وتحدث سلوة عنها ، وأنّ أصعب أوقاتها وقت حدوثها الذي هو فيه ، وأنّ كلّا ممّا وراءه من أوقاتها عليه أسهل ، ومكروه تلك الرزيّة عليه أخفّ ، فيستريح بمنية « 4 » نفسه من زوال ذلك المكروه عنه ، وأنّه في عابر أحواله كلّ يوم إلى نقصان . والتفكير في ارتفاع المكروه يعقب سرورا عاجلا .

--> ( 1 ) رزأه : الرزء هو النيل من الشيء . أصله النقص ( مفيد العلوم 55 ) . ( 2 ) في أ ، ب : حائرا . والصواب ما أثبت . ( 3 ) في أ : تخلقها . والصواب من ب . ( 4 ) المنية : الأمنيّة ( المعجم الوسيط م ن ي 2 / 889 ) .